أحمد ياسوف
43
دراسات فنيه في القرآن الكريم
لم يكتف الإمام عبد القاهر بنتف متفرقة لتعريف نظريته ، أو بسط شاهد عابر ، فكل كتابه « دلائل الإعجاز » شرح لها ، وذلك في مسيرة ذات حدّين : إيجابي يقول بالبناء ، وسلبي ينفي فصاحة الوحدة بتاتا ، ففي صريح العناوين يذكر نفي الفصاحة في عشرة فصول ، ويعود إلى هذا بعد كل تقديم لوجه من وجوه النظم تقريبا ، كأن ينتهي من التنكير أو الإضافة ، فيعود إلى تعسفية رأي من يؤيد فصاحة المفردة . ومنهجه عملي تطبيقي ، إذ يعتمد التأمل العميق في الأسلوب القديم ، ويستشهد بالشعر من غير أن يهمل النص القرآني على الأغلب ، بل يكون الشعر عونا في كشف جمال القرآن ، فالشعر لتبيان وجه الصيغة وقانونها ، وليس للمقارنة بين مضمون ومضمون ، أو صيغة وصيغة ، حتى إنه يلجأ إلى تأليف جمل تساعده في توضيح الفكرة ، كما هي الحال في فصل التنكير والمبتدأ والخبر . والجرجاني على الرغم من إطنابه يعود ، ليقدم تعريفا لنظريته ، وكأنما يخشى خللا في تفهم القارئ ، وهذا مما يدل على تحمسه لمنهجه وكشوفاته الأدبية ، وله الحق ، ومما يحسب له ، ويحمد عليه ، نظرته الكلية ، إذ استطاع أن يقدم نظريته في وقت كانت فيه النظرات جزئية منثورة في طيات الكتب ، وسطحية أحيانا . يرفض الجرجاني مصطلح الفصاحة المتعلق بالمفردات ، ويعلقه بروابط الكلمات ، وهذه الروابط عبارة عن مراعاة لقضايا النحو ، وهو نحوي معروف لم يعدم التذوق الأدبي ، ولا بأس أن يذكر تعريفا مختزلا لنظريته الموضّحة تطبيقا وتحليلا في كتابه الميمون ، وبعد هذا نعود إلى حجج مؤيدي جمال الوحدة ، ومن تصدّى لمبالغته ، والنقاط التي تجاوزها ولعا بجديد ، وخوفا من تصور تناقض في منظوره ودعوته . إنه يعرف النظم قائلا : « واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك